فصل: الحديث السَّادِس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّالِث:

عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «سكبت لرَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الْوضُوء، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى رجلَيْهِ أهويت إِلَى الْخُفَّيْنِ لأنزعهما فَقَالَ: دع الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أدخلتهما وهما طاهرتان».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أصل من أصُول الْبَاب، وَله عَن الْمُغيرَة طرق، ذكره ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه من خَمْسَة وَأَرْبَعين طَرِيقا عَنهُ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: بَلغنِي عَن أبي بكر الْبَزَّار أَنه يرْوَى عَنهُ من نَحْو سِتِّينَ طَرِيقا. وَاتفقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه من حَدِيث عُرْوَة بن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه قَالَ: «كنت مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي سفر فَأَهْوَيْت لأنزع خفيه فَقَالَ: دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين. فَمسح عَلَيْهِمَا»، هَذَا لفظ البُخَارِيّ، وَترْجم عَلَيْهِ: إِذا أَدخل رجلَيْهِ وهما طاهرتان، وَلَفظ مُسلم: «أَنه وضأ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَتَوَضَّأ وَمسح عَلَى خفيه فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أدخلتهما طاهرتين»، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «كنت مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذَات لَيْلَة فِي مسير فَقَالَ لي: أَمَعَك مَاء...» الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: «ثمَّ أهويت لأنزع خفيه فَقَالَ: دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين. وَمسح عَلَيْهِمَا».
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن حُسَيْن وزَكَرِيا، وَيُونُس، عَن الشّعبِيّ، عَن عُرْوَة بن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، أتمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ؟! قَالَ: نعم، إِنِّي أدخلتهما وهما طاهرتان».
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ: «ثمَّ أهويت إِلَى الْخُفَّيْنِ لأنزعهما، فَقَالَ: دع الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أدخلت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وهما طاهرتان. فَمسح عَلَيْهِمَا».
فَائِدَة: الْوضُوء بِفَتْح الْوَاو عَلَى أشهر اللُّغَات فِيهِ؛ لِأَن المُرَاد بِهِ المَاء.

.الحديث الرَّابِع:

عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة رَضي اللهُ عَنهُ: «أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مسح أَعلَى الْخُف وأسفله».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ، وَابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم، عَن ثَوْر بن يزِيد، عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء، إِلَّا أَن لفظ رِوَايَة أبي دَاوُد: «وضأت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي غَزْوَة تَبُوك فَمسح أَعلَى الْخُف وأسفله». وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر عَن ابْن أبي يَحْيَى، عَن ثَوْر بِهِ.
وأعل هَذَا الحَدِيث بأوجه:
أَولهَا: أَن ثورًا لم يسمعهُ من رَجَاء بن حَيْوَة، وَقَالَ الْأَثْرَم: سَمِعت أَبَا عبد الله- يَعْنِي: أَحْمد بن حَنْبَل- يُضعف هَذَا الحَدِيث، وَيَقُول: إِنَّه ذكره لعبد الرَّحْمَن بن مهْدي، فَذكره عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ثَوْر، قَالَ: حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام... وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْمُغيرَة؛ فأفسده من وَجْهَيْن حَيْثُ قَالَ: حدثت عَن رَجَاء. وأرسله وَلم يسْندهُ، وَقد كَانَ نعيم بن حَمَّاد حَدَّثَني بِهَذَا عَن ابْن الْمُبَارك كَمَا حدث بِهِ الْوَلِيد فَقَالَ: عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة، فَقلت لَهُ: إِنَّمَا يَقُوله الْوَلِيد، فَأَما ابْن الْمُبَارك فَيَقُول: «حدثت عَن رَجَاء» وَلَا يذكر الْمُغيرَة. فَقَالَ: هَذَا حَدِيثي الَّذِي أسأَل عَنهُ. فَأخْرج إليَّ كِتَابه الْقَدِيم بِخَط عَتيق، فَإِذا فِيهِ مُلْحق بَين السطرين بِخَط لَيْسَ بالقديم «عَن الْمُغيرَة» فأوقفته عَلَيْهِ، وأخبرته أَن هَذِه زِيَادَة فِي الْإِسْنَاد لَا أصل لَهَا، فَجعل يَقُول للنَّاس بعد وَأَنا أسمع: اضربوا عَلَى هَذَا الحَدِيث. هَذَا مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه: هَذَا حَدِيث مَعْلُول لم يُسنده عَن ثَوْر غير الْوَلِيد بن مُسلم.
قلت: قد أسْندهُ عَنهُ ابْن أبي يَحْيَى- كَمَا سلف- وَمُحَمّد بن عِيسَى بن سميع- كَمَا سَيَأْتِي- عَن الدَّارَقُطْنِيّ. قَالَ: وَسَأَلت أَبَا زرْعَة ومحمدًا- يَعْنِي: البُخَارِيّ- عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيح؛ لِأَن ابْن الْمُبَارك رَوَى هَذَا عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، قَالَ: حدثت عَن كَاتب الْمُغيرَة، مُرْسل عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وَلم يذكر فِيهِ الْمُغيرَة. وَقَالَ فِي علله عَنْهُمَا نَحوه، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه: لم يسمع هَذَا الحَدِيث ثَوْر من رَجَاء. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ- وَقد سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث-: يرويهِ ثَوْر بن يزِيد وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم وَمُحَمّد بن عِيسَى بن سميع، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن بعض أَصْحَابه، عَن ثَوْر، وَرَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ثَوْر، قَالَ: حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مُرْسلا.
قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن وراد، عَن الْمُغيرَة. وَلم يذكر فِيهِ أَسْفَل الْخُف، وَرَوَاهُ الحكم بن هِشَام وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، عَن عبد الْملك قَالَ: وَحَدِيث رَجَاء بن حَيْوَة الَّذِي فِيهِ ذكر أَعلَى الْخُف وأسفله لَا يثبت؛ لِأَن ابْن الْمُبَارك رَوَاهُ عَن ثَوْر مُرْسلا. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة عَن الْمُغيرَة مَرْفُوعا فَقَالَا: رَوَاهُ الْوَلِيد هَكَذَا، وَرَوَاهُ غَيره بِإِسْقَاط الْمُغيرَة وأفسده، وَحَدِيث الْوَلِيد أشبه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا: سَمِعت أبي، وذكر حَدِيث الْوَلِيد، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام مسح أَعلَى الْخُف وأسفله» فَقَالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظ، وَسَائِر الْأَحَادِيث عَن الْمُغيرَة أصح.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة: الْحفاظ يَقُولُونَ: لم يسمع ثَوْر هَذَا الحَدِيث من رَجَاء، رَوَاهُ عبد الله بن الْمُبَارك، عَن ثَوْر قَالَ: حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة. وَلم يذكر الْمُغيرَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه- وَقد ذكره من حَدِيث الْوَلِيد، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة-: أَخطَأ فِيهِ الْوَلِيد بن مُسلم فِي موضِعين. ثمَّ أخرجه من حَدِيث أَحْمد، عَن ابْن مهْدي، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ثَوْر، حدثت عَن رَجَاء عَن كَاتب الْمُغيرَة. قَالَ: فصح أَن ثورًا لم يسمعهُ من رَجَاء، وَأَنه مُرْسل لم يذكر فِيهِ الْمُغيرَة. قَالَ: وَعلة ثَالِثَة: وَهِي أَنه لم يسم فِيهِ كَاتب الْمُغيرَة فَسقط.
الْعلَّة الثَّانِيَة أَن رَجَاء بن حَيْوَة لم يسمع كَاتب الْمُغيرَة قَالَه الإِمَام الشَّافِعِي كَمَا أَفَادَ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة.
الْعلَّة الثَّالِثَة: أَنه لم يسم فِيهِ كَاتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَي فَيكون مَجْهُولا، وَهَذِه أسلفت عَن ابْن حزم.
الْعلَّة الرَّابِعَة: أَن الْوَلِيد بن مُسلم دلّس فِيهِ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله وتَحْقِيقه بعد أَن ذكر الحَدِيث: كَانَ الْوَلِيد يروي عَن الْأَوْزَاعِيّ أَحَادِيث هِيَ عِنْد الْأَوْزَاعِيّ عَن شُيُوخ ضعفاء، عَن شُيُوخ قد أدركهم الْأَوْزَاعِيّ مثل: نَافِع وَالزهْرِيّ فَيسْقط أَسمَاء الضُّعَفَاء ويجعلها عَن الْأَوْزَاعِيّ عَنْهُم. وَنقل مثل هَذِه الْمقَالة فِي الْوَلِيد فِي ضُعَفَائِهِ عَن عُلَمَاء النَّقْل.
وَشرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي «إِمَامه» يُجيب عَن الْعِلَل الْمَذْكُورَة خلا الثَّانِيَة فَإِنَّهُ لم يذكرهَا، فَقَالَ بعد أَن نقل كَلَام أَحْمد السالف: وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: إِنَّه حَدِيث لَا يثبت؛ لِأَن ابْن الْمُبَارك رَوَاهُ عَن ثَوْر مُرْسلا. وَمَعَ هَذَا كُله فقد رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز، عَن دَاوُد بن رشيد، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن ثَوْر بن يزِيد قَالَ: ثَنَا رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة، عَن الْمُغيرَة، فقد صرح فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن ثَوْر بِأَن رَجَاء حَدثهُ، وَقد رَوَاهُ أَحْمد بن عبيد الصفار، عَن أَحْمد بن يَحْيَى بن إِسْحَاق الْحلْوانِي، عَن دَاوُد بن رشيد، فَقَالَ: عَن رَجَاء. وَلم يقل: ثَنَا رَجَاء. فقد اخْتلف عَلَى دَاوُد بن رشيد فِي هَذِه اللَّفْظَة.
قلت: وَزِيَادَة الوليدِ المغيرةَ لم ينْفَرد بهَا، بل توبع عَلَيْهَا كَمَا عَلمته فِيمَا سلف.
قَالَ: وَأما الْعلَّة الثَّالِثَة: وَهِي أَنه لم يسم فِيهِ كَاتب الْمُغيرَة، فالمعروف بكاتب الْمُغيرَة هُوَ مَوْلَاهُ وراد، وَهُوَ مخرج لَهُ فِي الصَّحِيح. قَالَ: لم يعرف لَهُ مشارك فِي هَذِه الصّفة، فَالظَّاهِر انصراف الرِّوَايَة إِلَيْهِ، وَقد أدرج بعض الْحفاظ هَذَا الحَدِيث فِي تَرْجَمَة رَجَاء بن حَيْوَة، عَن وراد.
قلت: وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي تَرْجَمَة وراد، عَن الْمُغيرَة، وَقَالَ: وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن وراد، عَن الْمُغيرَة. وَأَعْلَى من هَذَا وأفصح أَن ابْن مَاجَه خرج الحَدِيث فِي سنَنه فَقَالَ: عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن ورَّاد كَاتب الْمُغيرَة فأفصح باسمه وَكَذَا وَقع فِي علل الدَّارَقُطْنِيّ أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث وراد كَاتب الْمُغيرَة عَن الْمُغيرَة... الحَدِيث.
قَالَ: وَأما الْعلَّة الرَّابِعَة: وَهِي تَدْلِيس الْوَلِيد، فَلَيْسَ بِشَيْء قد أَمن تدليسه فِي هَذِه الرِّوَايَة بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فَقَالَ: أَخْبرنِي ثَوْر.
قلت: وَفِي هَذَا نظر أبداه شَيخنَا الْحَافِظ فتح الدَّين الْيَعْمرِي، فَقَالَ فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى التِّرْمِذِيّ: قَوْله فِي رد هَذَا الْوَجْه: لَيْسَ بِشَيْء. لَيْسَ بِشَيْء، بل هُوَ وَجه من التَّعْلِيل صَحِيح لم يَأْتِ عَنهُ بِجَوَاب، وَجَوَابه عَنهُ بِأَنَّهُ قد أَمن تَدْلِيس الْوَلِيد بقوله: «أَخْبرنِي»- فِي رِوَايَة من رَوَى ذَلِك- دَلِيل عَلَى أَنه لم يَأْتِ عَلَى المُرَاد فِي هَذَا التَّعْلِيل؛ لِأَن التَّصْرِيح بذلك الْإِخْبَار لَا يسْقطهُ، وَبَيَانه أَن النَّوْع الَّذِي رمي بِهِ الْوَلِيد بن مُسلم من التَّدْلِيس هُوَ نوع يُسمى عِنْدهم التَّسْوِيَة، وَهُوَ يخْتَص بالتدليس فِي شيخ شَيْخه لَا فِي شَيْخه، وَذَلِكَ أَنه يعمد لأحاديث- مثلا- رَوَاهَا هُوَ عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَهِي عِنْد الْأَوْزَاعِيّ عَن شُيُوخ لَهُ ضعفاء رووها عَن الثِّقَات فِي شُيُوخ الْأَوْزَاعِيّ نَفسه، كَحَدِيث يكون فِيهِ بَين الْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ، أَو بَين الْأَوْزَاعِيّ وَنَافِع أَو بَين الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء رجل ضَعِيف، فَيسْقط الْوَلِيد الْوَاسِطَة الضَّعِيف، ويروي الحَدِيث عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَو عَطاء أَو نَافِع كَيْفَمَا كَانَ وَكلهمْ شُيُوخ الْأَوْزَاعِيّ فيروج بذلك الْخَبَر عَنهُ سامعه، لعلمه أَن الْأَوْزَاعِيّ رَوَى عَن أُولَئِكَ الشُّيُوخ وَكَذَلِكَ مثله ابْن الْجَوْزِيّ مِثَالا مُسْتَقِيمًا، والوليد مَوْصُوف عِنْدهم بِهَذَا النَّوْع من التَّدْلِيس، وَمن هَذَا الضَّرْب مَا يخْشَى وُقُوعه هَا هُنَا فَإِنَّهُ قَالَ: أَخْبرنِي ثَوْر، عَن رَجَاء، فَأَتَى فِيهِ بِصِيغَة العنعنة، وَهِي لَا تدل عَلَى الِاتِّصَال من مثله، فَبَقيَ التَّدْلِيس غير مَأْمُون، وقلما يرتكب التَّدْلِيس وَيسْقط الْوَاسِطَة إِلَّا لمُقْتَضى لإسقاطه، فقد كَانَت مثل هَذِه العنعنة من الْوَلِيد فِي مثل هَذَا الْموضع كَافِيَة فِي التَّعْلِيل، لاسيما وَقد صَحَّ عَن ابْن الْمُبَارك وَهُوَ من عرف مَحَله قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: عَن ثَوْر، حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة. فنبه عَلَى ثُبُوت وَاسِطَة مَجْهُول، فَاقْتَضَى مَا هُوَ الْمَعْهُود من تَسْوِيَة الْوَلِيد الضعْف أَو الْجَهَالَة فِي ذَلِك الْوَاسِطَة المطوي الذّكر، وتصريح الْوَلِيد بن مُسلم بقوله أبنا ثَوْر، عَن رد هَذَا التَّعْلِيل بمعزل، وَمثل هَذَا من الْوَلِيد إِن كَانَ بعد صِحَة الْخَبَر الْمَرْوِيّ لذَلِك عِنْده من خَارج أَو مَعَ حسن ظَنّه بِمن طوى ذكره فكلاهما قريب، وَإِن كَانَ مَعَ الْجَهَالَة بِحَالهِ وَقبل ثُبُوت الْخَبَر عِنْده فقد دخل الْخلَل عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يعلم، وبعيد أَن يكون ذَلِك مِنْهُ مَعَ ضعف الرَّاوِي عِنْده وَعدم علمه بِصِحَّة الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ من طَرِيقه، فَفِي ذَلِك انحطاط يرْتَفع حَال مثل الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ.
فَالْحَدِيث عَلَى هَذَا مُعَلل بالانقطاع بَين ثَوْر ورجاء، وَهُوَ الَّذِي يخْشَى من تَسْوِيَة الْوَلِيد، وَالظَّاهِر تَرْجِيح الْإِرْسَال عَلَى الْإِسْنَاد كَمَا رَجحه ابْن الْمُبَارك وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي.
وَنقل الْحَازِمِي عَن الشَّافِعِي أَنه ضعف هَذَا الحَدِيث فِي الْقَدِيم، وَهُوَ مُحْتَمل لِأَن يكون ضعفه لما نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ كَمَا أسلفناه عَنهُ، وَبِغَيْرِهِ من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وأجمل القَوْل عبد الْحق فِي تَضْعِيف الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنْقَطع الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن الصّلاح: هَذَا حَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ، ضعفه الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَالتِّرْمِذِيّ، وَغَيرهم.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: واعتماد الشَّافِعِي فِي هَذَا الحكم عَلَى مَا رَوَاهُ فِي الْقَدِيم عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ «أَنه كَانَ يمسح أَعلَى الْخُف وأسفله».
قلت: وَرَوَاهُ الْمُزنِيّ فِي مُخْتَصره أَيْضا وَهُوَ من الْجَدِيد.

.الحديث الخَامِس:

قَالَ الرَّافِعِيّ: اسْتِيعَاب الْكل لَيْسَ بِسنة «مسح رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَلَى خفيه خُطُوطًا من المَاء».
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ فِي وسيطه، فَإِنَّهُ قَالَ: قصد الِاسْتِيعَاب لَيْسَ بِسنة؛ إِذْ لم ينْقل عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِلَّا «أَنه مسح عَلَى الْخُف خُطُوطًا» وَتبع فِي ذَلِك إِمَامه، فَإِنَّهُ قَالَ فِي نهايته: فِي الحَدِيث الصَّحِيح «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام مسح عَلَى خفيه خُطُوطًا»، والخطوط إِنَّمَا تكون بالأصابع. وَتبع فِي ذَلِك القَاضِي حُسَيْنًا، فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَى حَدِيث عَلّي أَي الَّذِي فِي أبي دَاوُد «كنت أرَى أَن بَاطِن الْقَدَمَيْنِ أَحَق بِالْمَسْحِ من ظاهرهما...» الحَدِيث، فَحَكَى عَنهُ أَنه قَالَ: «وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يمسح عَلَى ظهر الْخُف خُطُوطًا بالأصابع».
وَاعْترض ابْن الصّلاح عَلَى الإِمَام فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط: لَيْسَ مَا ذكره من الْمسْح خُطُوطًا ثَابتا فِي الرِّوَايَة- فِيمَا علمناه- وَلَا وجدنَا لَهُ أصلا فِي كتب الحَدِيث. قَالَ: وَقَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح غير صَحِيح. وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، رُوِيَ عَن عَلّي مَرْفُوعا، وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: «من السّنة أَن يمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ خُطُوطًا بالأصابع» قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِحجَّة؛ لِأَن قَول التَّابِعِيّ: من السّنة كَذَا لَا يكون مَرْفُوعا بل هُوَ مَوْقُوف عَلَى الصَّحِيح، وَقيل إِنَّه مَرْفُوع مُرْسل. وَقَالَ فِي «تنقيحه»: هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره الْغَزالِيّ مَرْوِيّ من حَدِيث عَلّي، وَهُوَ حَدِيث مُنكر لَا يعرف. وَأما قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح. فغلط فَاحش.
قلت: انْتَهَى مَا ذكره. وَقد ظَفرت بِالْحَدِيثِ من ثَلَاث طرق- بِفضل الله ومنته- الأولَى: من حَدِيث جَابر بن عبد الله أَنه قَالَ: «مر رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بِرَجُل يتَوَضَّأ فَغسل خفيه فنخسه بِرجلِهِ وَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا السّنة، أمرنَا بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ هَكَذَا. وأمَرَّ بيدَيْهِ عَلَى خفيه» وَفِي لفظ: «مر رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بِرَجُل يتَوَضَّأ وَهُوَ يغسل خفيه فنخسه بِيَدِهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أمرنَا بِهَذَا. ثمَّ أرَاهُ بِيَدِهِ من مقدم الْخُفَّيْنِ إِلَى أصل السَّاق مرّة وَفرج بَين أَصَابِعه».
رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيّ فِي أَوسط معاجمه من حَدِيث بَقِيَّة، عَن جرير بن يزِيد، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر، ثمَّ قَالَ: لَا يرْوَى هَذَا الحَدِيث عَن جَابر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد.
قلت: وَجَرِير هَذَا لَيْسَ بالمشهور، لم يرو عَنهُ غير بَقِيَّة- فِيمَا أعلم.
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه: لَا يعْتَمد عَلَيْهِ لجهالته.
وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَعَزاهُ إِلَى ابْن مَاجَه، وَلم أره فِي سنَنه عَن مُحَمَّد بن المصفي، ثَنَا بَقِيَّة، عَن جرير بن يزِيد، قَالَ: حَدَّثَني مُنْذر، قَالَ: حَدَّثَني مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر قَالَ: «مرّ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بِرَجُل يتَوَضَّأ وَيغسل خفيه فَقَالَ بِيَدِهِ- كَأَنَّهُ دَفعه-: إِنَّمَا أمرت بِالْمَسْحِ هَكَذَا بأطراف الْأَصَابِع إِلَى أصل السَّاق. وخطط بالأصابع»، وَلم يعقبه بتصحيح وَلَا تَضْعِيف، وَقَالَ فِي «إِعْلَامه»: إِنَّه حَدِيث الْعَمَل عَلَيْهِ.
قلت: وَمُنْذِر هَذَا كَأَنَّهُ ابْن زِيَاد الطَّائِي، وَقد كذبه الفلاس، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك.
الطَّرِيقَة الثَّانِيَة: من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: بَال، ثمَّ جَاءَ حتَّى تَوَضَّأ وَمسح عَلَى خفيه، وَوضع يَده الْيُمْنَى عَلَى خفه الْأَيْمن وَيَده اليُسرى عَلَى خفه الْأَيْسَر، ثمَّ مسح أعلاهما مسحة وَاحِدَة حتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَى أَصَابِع رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَلَى الْخُفَّيْنِ».
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «إِمَامه»: رَوَاهُ أَبُو أُسَامَة، عَن الْأَشْعَث، عَن الْحسن، عَن الْمُغيرَة بِهِ. قَالَ: وَبَلغنِي عَن أبي عَامر الخزاز، عَن الْحسن، عَن الْمُغيرَة: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام مسح مَوضِع يَده الْيُمْنَى عَلَى خفه الْأَيْمن وَيَده الْيُسْرَى عَلَى خفه الْأَيْسَر، ثمَّ مسح أعلاهما مسحة وَاحِدَة».
الطَّرِيقَة الثَّالِثَة: من حَدِيث ابْن عمر، سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث رَوَاهُ زيد بن أسلم، عَن ابْن عمر «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تَوَضَّأ مرّة وَغسل هَكَذَا- قَالَ عبد الله: كَأَنَّهُ يَعْنِي الْمسْح- يَأْخُذ مَاء من قبل عَقِبَيْهِ فَيردهُ إِلَى أَطْرَاف رجلَيْهِ مَعَ ظهر قَدَمَيْهِ» فَقَالَ فِي علله: اخْتلف فِيهِ عَلَى زيد بن أسلم فَرَوَاهُ مرّة عَن ابْن عمر، وَمرَّة عَن أَبِيه، عَن عمر مَرْفُوعا، وَالصَّوَاب: عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن عمر بن الْخطاب «أَنه مسح عَلَى خفيه حتَّى رئي آثَار أَصَابِعه عَلَى خفيه خُطُوطًا. قَالَ: ورئي آثَار أَصَابِع قيس بن سعد عَلَى الْخُف».
فَائِدَة أردْت ذكرهَا هُنَا: رَأَيْت فِي أَسمَاء رُوَاة الْكتب السِّتَّة وَغَيرهَا لِابْنِ نقطة الْحَافِظ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي دَاوُد، ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد، عَن أبي ذَر، قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَن كل شَيْء، حتَّى مسح الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: وَاحِدَة». وَقَالَ سُفْيَان: عَن الْأَعْمَش، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن أبي ذَر مَرْفُوعا نَحوه. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: رَاوِيه عَن يُونُس بن أبي حبيب، عَن أبي دَاوُد، سَمِعت ابْن الْجُنَيْد يَقُول: هَذَا أغرب حَدِيث فِي الدُّنْيَا.

.الحديث السَّادِس:

عَن خُزَيْمَة بن ثَابت رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «رخص رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ للْمُسَافِر أَن يمسح ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وَلَو استزدناه لزادنا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة». قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ بِإِسْنَادِهِ «وَلَو استزدناه لزادنا».
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت قَالَ: «جعل رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام وَلَو مَضَى السَّائِل عَلَى مَسْأَلته لجعلها خمْسا».
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث إِبْرَاهِيم أَيْضا، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت قَالَ: «جعل رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم، وَلَو مَضَى السَّائِل عَلَى مَسْأَلته لجعلها خمْسا»، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «رخص لنا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن نمسح ثَلَاثًا، وَلَو استزدناه لزادنا».
وَرُوِيَ أَيْضا هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أَنه سُئِلَ عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: للْمُسَافِر ثَلَاث وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة»، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، قَالَ: وَذكر عَن يَحْيَى بن معِين أَنه صحّح حَدِيث خُزَيْمَة فِي الْمسْح.
قَالَ: وَأَبُو عبد الله الجدلي اسْمه عبد بن عبد، وَيُقَال: عبد الرَّحْمَن بن عبد. قَالَ: وَرَوَى الحكم بن عتيبة وَحَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، وَلَا يَصح. قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: قَالَ يَحْيَى بن سعيد: قَالَ شُعْبَة: لم يسمع إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من أبي عبد الله الجدلي حَدِيث الْمسْح، وَقَالَ زَائِدَة، عَن مَنْصُور: كُنَّا فِي حجرَة إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ومعنا إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فحدثنا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث سَلمَة بن كهيل قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يحدث عَن الْحَارِث بن سُوَيْد، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «ثَلَاثَة أَيَّام- أَحْسبهُ قَالَ: ولياليهن- للْمُسَافِر فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ».
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أَنه سُئِلَ عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: ثَلَاثًا للْمُسَافِر، وللمقيم يَوْمًا» ثمَّ رَوَاهُ بِزِيَادَة «عَمْرو بن مَيْمُون» بَين التَّيْمِيّ والجدلي، عَن خُزَيْمَة: «أَن أعرابيًّا سَأَلَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَن الْمسْح، فَقَالَ: للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة».
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بإسقاطه كَمَا أخرجه ابْن حبَان أَولا.
وأعلت هَذِه الطَّرِيقَة وَالَّتِي قبلهَا بعلل:
الأولَى: الِاضْطِرَاب إِسْنَادًا ومتنًا- كَمَا عَلمته- قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب السّنَن والْمعرفَة: إِسْنَاده مُضْطَرب. قَالَ: وَمَعَ ذَلِك فَمَا لم يرد لَا يصير سنة. قَالَ: وَرَوَاهُ الشَّافِعِي، فَقَالَ: زعم رجل عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة... فَذكره، ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم فِي قَوْله: وَلَو سألناه أَن يزيدنا لزادنا: عَلَى مَعْنَى لَو سألناه أَكثر من ذَلِك لقَالَ نعم، وَإِنَّمَا الْجَواب عَلَى الْمَسْأَلَة.
وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد: قَالَ أبي: هَذَا الحَدِيث خطأ. قَالَ ذَلِك بعد أَن رَوَاهُ عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن حَمَّاد وَمَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة فِي مسح الْمُسَافِر والمقيم.
الثَّانِيَة: الِانْقِطَاع، وَذَلِكَ فِي مَوَاضِع: أَحدهَا: بَين إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي عبد الله الجدلي، كَمَا أسلفناه عَن شُعْبَة. وَثَانِيها: بَين أبي عبد الله الجدلي وَخُزَيْمَة بن ثَابت، كَمَا سَيَأْتِي عَن البُخَارِيّ. وَثَالِثهَا: بَين إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَأبي عبد الله الجدلي، كَمَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن حبَان فَإِنَّهُ سقط بَينهمَا مَا سلف لَك. وَرَابِعهَا: بَين عَمْرو بن مَيْمُون وَخُزَيْمَة، كَمَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه فَإِنَّهُ أسقط بَينهمَا الجدلي. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعد أَن نقل عَن شُعْبَة مَا سلف: قَالَ البُخَارِيّ: لَا يعرف للجدلي سَماع من خُزَيْمَة. وقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا يَصح. وَهُوَ كَمَا نَقله عَنهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي علله- وَمِنْهَا نقلت-: سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ، فَقَالَ: لَا يَصح عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سَماع من خُزَيْمَة، وَكَانَ شُعْبَة يَقُول: لم يسمع إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من أبي عبد الله الجدلي حَدِيث الْمسْح، وَحَدِيث عَمْرو بن مَيْمُون عَن أبي عبد الله الجدلي هُوَ أصح وَأحسن. وَذكر عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ: حَدِيث خُزَيْمَة عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَدِيث صَحِيح. ثمَّ سَاقه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الشّعبِيّ عَنهُ، فَقَالَ: نَا الْقَاسِم بن دِينَار، نَا مَالك بن إِسْمَاعِيل، نَا ذوّاد بن عُلبة- بِالْبَاء الْمُوَحدَة- عَن مطرف، عَن الشّعبِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ: «ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْم للمقيم»، ثمَّ قَالَ: سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ ذوّاد بن عُلبة، عَن مطرف، عَن الشّعبِيّ، وَلَا أرَى هَذَا الحَدِيث مَحْفُوظًا. ولم نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وذوّاد بن عُلبة ضَعِيف.
قلت: وَضَعفه أَيْضا ابْن معِين، وَقَالَ البُخَارِيّ: يُخَالف فِي بعض حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمتين ذهب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن نمير: كَانَ شَيخا صَالحا صَدُوقًا وَقَالَ مُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيّ: نَا ذواد وَأَثْنَى عَلَيْهِ خيرا. قَالَ ابْن عدي: وَهُوَ فِي جملَة الضُّعَفَاء مِمَّن يكْتب حَدِيثه.
الْعلَّة الثَّالِثَة: الطعْن فِي أبي عبد الله الجدلي نَفسه، قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ فِي محلاه: رُوِيَ عَن مَالك إجَازَة الْمسْح للمقيم، وَلَا يرَى التَّوْقِيت لَا للمقيم وَلَا للْمُسَافِر، وَإِنَّمَا يمسحان أبدا مَا لم يجنبا، وَتعلق مقلدوه فِي ذَلِك بأخبار سَاقِطَة وَلَا تصح. ثمَّ ذكر هَذَا الحَدِيث مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو عبد الله الجدلي: صَاحب راية الْمُخْتَار الْكَافِر، لَا يعْتَمد عَلَى رِوَايَته.
وَشرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي يُجيب فِي إِمَامه عَن هَذِه الْعِلَل فَقَالَ: قد صحّح التِّرْمِذِيّ طَرِيق إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، وَنقل عَن يَحْيَى بن معِين أَنه صحّح حَدِيث خُزَيْمَة فِي الْمسْح، قَالَ: وَطَرِيق هَذَا أَن يُعلل طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بالانقطاع كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِن الحكم وَحَمَّاد روياه عَن النَّخعِيّ، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة... إِلَى آخر الْحِكَايَة السالفة.
قَالَ: وَالرِّوَايَات متظافرة متكاثرة بِرِوَايَة التَّيْمِيّ لَهُ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة بِهِ وَأما من أسقط عمرا من الْإِسْنَاد فَالْحكم لمن زَاده؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة عدل، لاسيما وَقد انْضَمَّ إِلَيْهِ الْكَثْرَة من الروَاة واتفاقهم عَلَى هَذَا دون من أسْقطه، وَأما زِيَادَة الْحَارِث بن سُوَيْد، وَإِسْقَاط الجدلي، فَيُقَال فِي إِسْقَاطه مَا سلف فِي الَّذِي قبله، وَأما زِيَادَة الْحَارِث، فَمُقْتَضَى الْمَشْهُور من أَفعَال الْمُحدثين، وَالْأَكْثَر أَن يحكم بهَا وَيجْعَل مُنْقَطِعًا فِيمَا بَين إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن مَيْمُون؛ لِأَن الظَّاهِر أَن الْإِنْسَان لَا يروي حَدِيثا عَن رجل عَن ثَالِث، وَقد رَوَاهُ هُوَ عَن ذَلِك الثَّالِث لقدرته عَلَى إِسْقَاط الْوَاسِطَة، لَكِن إِذا عَارض هَذَا الظَّاهِر دَلِيل أَقْوَى مِنْهُ عمل بِهِ، كَمَا فعل فِي أَحَادِيث حكم فِيهَا بِأَن الرَّاوِي علا وَنزل فِي الحَدِيث الْوَاحِد، فَرَوَاهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَلَعَلَّ إِبْرَاهِيم سَمعه من عَمْرو وَمن الْحَارِث- فَإِنَّهُ صرح فِي الْحِكَايَة السالفة أَنه حدث عَن عَمْرو، وَصرح فِي إِسْنَاد ابْن مَاجَه أَنه حدث عَن الْحَارِث- وَوجه آخر عَلَى طَريقَة الْفِقْه: وَهُوَ أَن يُقَال: إِن كَانَ مُتَّصِلا فِيمَا بَين التَّيْمِيّ وَعَمْرو بن مَيْمُون فَذَاك، وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا فقد بَين أَن الْوَاسِطَة بَينهمَا الْحَارِث بن سُوَيْد وَهُوَ من أكَابِر الثِّقَات. وَأما الْجَواب عَن قَول البُخَارِيّ: إِنَّه لَا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سَماع من خُزَيْمَة. فَلَعَلَّ هَذَا بِنَاء عَلَى مَا حُكيَ عَن بَعضهم أَنه يشْتَرط فِي الِاتِّصَال أَن يثبت السماع للرواي من الْمَرْوِيّ عَنهُ وَلَو مرّة. هَذَا أَو مَعْنَاهُ، وَقيل: إِنَّه مَذْهَب البُخَارِيّ، وَقد أطنب مُسلم فِي الرَّد لهَذِهِ الْمقَالة، وَاكْتَفَى بِإِمْكَان اللِّقَاء، وَذكر فِي ذَلِك شَوَاهِد. وَأما الْجَواب عَن قَول ابْن حزم فِي أبي عبد الله الجدلي فَلم يقْدَح فِيهِ أحد من الْمُتَقَدِّمين، وَلَا قَالَ فِيهِ مَا قَالَ ابْن حزم- فِيمَا علمناه- وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَيَحْيَى، وهما هما، وَصحح التِّرْمِذِيّ وَكَذَا ابْن حبَان حَدِيثه. وَمَا اعتل بِهِ من كَونه صَاحب راية الْمُخْتَار الْكَافِر، فقد ذكر مثل ذَلِك فِي أبي الطُّفَيْل، وَقد رَأَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وَأجِيب عَنهُ بِأَن الْمُخْتَار أظهر أَولا فِي خُرُوجه الْقيام بثأر الْحُسَيْن فَكَانَ مَعَه من كَانَ، وَمَا كَانَ يَقُوله من غير هَذَا فَلَعَلَّهُ لم يطلع عَلَيْهِ أَبُو الطُّفَيْل وَلَا علمه، وَهَذَا مطرد فِي الجدلي.
قلت: وَقد تَابعه عَمْرو بن مَيْمُون كَمَا سلف عَن رِوَايَة ابْن مَاجَه إِن لم يكن سقط بَينهمَا الجدلي.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة، عَن حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن مَسْرُوق وَسَلَمَة بن كهيل وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر والْحسن بن عبيد الله، كلهم يروي عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَرَوَاهُ الحكم بن عتيبة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأَبُو معشر وَشُعَيْب بن الحبحاب والْحَارث العكلي، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لَا يَقُولُونَ عَمْرو بن مَيْمُون. قَالَ أَبُو زرْعَة: الصَّحِيح من حَدِيث التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو الجدلي، عَن خُزَيْمَة مَرْفُوعا، وَالصَّحِيح من حَدِيث النَّخعِيّ، عَن الجدلي بِلَا عَمْرو بن مَيْمُون. قَالَ أبي: عَن مَنْصُور مُخْتَلف جرير الضَّبِّيّ وَأَبُو عبد الصَّمد يحدثان بِهِ، يَقُولَانِ: عَن التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، وَأَبُو الْأَحْوَص يحدث بِهِ، لَا يَقُول فِيهِ: عَمْرو بن مَيْمُون. هَذَا آخر كَلَامه.
وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: الِاتِّفَاق عَلَى ضعف الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَضَعفه من الِاضْطِرَاب والانقطاع. وَقد عرفت ذَلِك وَمَا أُجِيب بِهِ مَعَ تَصْحِيح ابْن حبَان لَهُ وَتَصْحِيح التِّرْمِذِيّ الرِّوَايَة المختصرة، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.